محمد متولي الشعراوي

4462

تفسير الشعراوى

الحق سبحانه وتعالى يمثل حاله بحال الكلب ، مع الفارق بين الاثنين ؛ لأن الكلب يلهث غريزة . فهو غير مذموم حين يلهث وهو مطرود ، ويلهث غير مطرود فهذه غريزة فيه ، ولا يذم على هذه ولا على تلك ، لكن الإنسان الذي فطره الله على حب الخير وميز غرائزه بمنهج عقلي يصون حركته ما كان يصح له أن يفعل ذلك ولا ينبغي أن تقولوا : وما ذنب الكلب في أنه يلهث ، ويضرب به المثل في الكفر ؟ لأن الكلب يفعلها غريزة ، وهو بغير تكليف فيفعل ما يشاء ، أما الإنسان الذي ارتفع بفكره وميزه الله بأن يختار بين البديلات ما كان يصح له أن يصل إلى هذا المستوى ، ومثل هذا السلوك في الكلب محمود فيه لأن طبيعته هكذا ، وإياك أن تقول : لماذا ربنا يضرب المثل بأشياء وما ذنبها هي ؟ والحق - سبحانه - هو القائل عن اليهود : مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً ( من الآية 5 سورة الجمعة ) هل الحمار حين يحمل أسفارا يستحق الذم لأنه لم يفقه ما في الأسفار ؟ الجواب لا ؛ لأن مهمته ليس منها فقه وفهم ما في الأسفار ، بل مهته أن يحمل ما عليه فقط ، وكأن الحق يقول : لا تكونوا مثل الحمار الذي يكتفى من الخير بأن يحمله ، ولكن أريد منكم أن تحملوا المنهج وأن تنتفعوا بما يحويه من التشريع . إذن فهذه الأمثلة ليست ذما للكلب ، ولا هي ذما للحمار . إنما ذم لمن يتشبه بهما ؛ لأنه نزل إلى مرتبة لم يرده الله لها ، وأراد الله المثل فيها بشئ لا تذم منه ، ولكنه مذموم من الإنسان . والإنسان الذي لا يتبع منهج الله يكون مضطرب الحركة في الحياة ، حتى وإن كان في نعمة ، لأنه معزول عن الله ، وما دام معزولا عن الله تجده دائم التساؤل : أيدوم لي هذا النعيم أو لا يدوم ؟ ويعيش دائما في قلق ورعب مخافه أن يفوت النعيم أو ألا يدوم له النعيم ، ومثله كالكلب يلهث حال راحته ويلهث حال تعبه .